من جلسة الحوار حول الإجهاض

October 19, 2010

حوار حول الإجهاض: بين الواقع وغياب التشريعات الملائمة

سندرا نجيم

إيمانا منّا بضرورة كسر الحاجز بين الشباب والشأن العام، شاركت “نقاط على الحروف” في إحدى الحوارات التي نظمتها جمعية “نحو المواطنية” نهار الإثنين ١١ تشرين الأول في مقهى “يت” في ضاحية بيروت الجنوبية. فالحوار بين الشباب كفيل بإطلاق الشرارة الأولى لمشاركتهم في قضايا الحقل العام، خاصة وأن الكثير من القوانين والقرارات تصاغ في وطننا داخل غرف مغلقة ولا تأخذ بعين الإعتبار آراء المواطن العادي، وهذا ما يدفع العديد من الشباب إلى الإحساس بعدم وجود جدوى من إثارة القضايا التي تمسهم. هنا بعض ما جاء في سياق حوار بلا تكلّف وبلا حواجز حول موضوع “تابو” في مجتمعاتنا: الإجهاض.

هل الإجهاض حق من حقوق المرأة تفرض من خلاله على المجتمع إحترام قراراتها الخاصة بجسدها ومستقبلها؟ أم هو جريمة تمارس ضد الجنين وضد شرعة الأعراف الإجتماعية والدينية القائمة في لبنان؟ مهما اختلفت الآراء حول موضوع الإجهاض، ما لا يمكن إنكاره اليوم هو أن عمليات تخلص نساء من أجنة غير مرغوب فيها لأسباب إجتماعية وإقتصادية تحصل سرّا بشكل كثيف داخل العيادات الشرعية وباللجوء لأساليب بعضها “بربري” ويعرض حياء المرأة إلى الخطر. ومن هنا، اتفق أغلب الحضور على ضرورة طرح الموضوع للنقاش العام لوضع قوانين أكثر عصرية تأخذ بعين الإعتبار واقع الأمر الحالي بالنسبة للإجهاض.

في المقهى الذي تمازجت فيه رائحة الأرجيلة المعسلة الشرقية مع عصرية الهندسة الداخلية التي تحاكي حرية الغرب، تناقش حوالي ١٥ شاب وشابة حول الموضوع بعد أن استمعوا إلى شرح طبيب نسائي حول تفاصيل عملية الإجهاض وإلى رأي ناشطة في حقوق المرأة حول الفجوة بين القانون والواقع وأحقية المرأة في تقرير مصيرها. وكان لافتا إصرار إحدى المشاركات في النقاش أن الإجهاض مهما كانت أسبابه هو قتل لنفس “بريئة” تحرمها الأعراف الدينية والإنسانية.

حالة الإجهاض المتعمد خارج إطار الزواج استقطبت الجزء الأكبر من الحوار، بفعل تشابك اعتبارات متناقضة، دينية، إجتماعية وقانونية داخلها. وقد لخص الطبيب النسائي الدكتور ذولفقار حشاش هذه الاشكالية بكونها تواجه “التربية البيئية والدينية مع التركيبة الفيزيولوجية”، بحيث أن “الحاجة الجنسية لدى الإنسان موجودة شئنا أم أبينا”، لكن يبقى “المجتمع الشرقي متطلباً وصارماً أكثر مع الفتاة”.

في إطار هذا الواقع، يؤدي حصول الحبل إما إلى الزواج وإما إلى الإجهاض. والإجهاض بالنسبة إلى الدكتور حشاش الذي اعتاد سماع نبض الولد ورؤية قلبه إبتداءً من الأسبوع السابع للحمل، لا يختلف عن “قتل إنسان” في تلك المرحلة من الحمل. مع ذلك، يعود ليضيف أنه إذا كانت حياة المرأة الحامل معرضة جدياً للخطر ولا سيما لما قد تتعرض له بإسم حماية الشرف من أذية من عائلتها إذا اكتشفت أنها حامل خارج الأطر الشرعية، “فمن الأفضل حمايتها وإنهاء الحمل”.

وهنا تدخلت إحدى المشاركات بالنقاش لتخالفه الرأي وتعارض وجود أية أعذار تخفيفية قد تبرر الإجهاض. ولم تجد تعبيراً آخر لوصفه سوى “قتل طفل بريء”، بدا لها أن الكثيرين يتناسونه أو لا يأبهون به. فكررت كلمات “القتل” و”الإجرام” لوصف الإجهاض، معددةً مساوءه النفسية على المرأة: الإكتئاب، الرغبة الدائمة في البكاء، تفادي الأطفال والنفور من كل غرض له علاقة بالمولودين الجدد، الشعور الحاد بالذنب… كلها مفاعيل طويلة الأمد، حتى أنها تتجذر نهائياً في حياة المرأة ولا تفلتها، بحسب رأيها وهي ناشطة في جمعية “مريم معونة الأمهات”. وتعنى هذه الجمعية اللبنانية بحماية النساء، فتؤمن للعازبات الحوامل مساكن أمان. يأتي إذاً هذا الحل لينضم إلى الحلول المعطاة للمرأة عملياً إذا ما حملت خارج إطار الزواج.

وأقر الحضور أن قرار المرأة في هذه الحالة أي الإحتفاظ بجنينها في مجتمعنا الشرقي ينم عن “شجاعة كبيرة”. وقال الدكتور حشاش إن “عمل هذه الجمعية يعبي فراغاً قانونياً” وتقصيراً من المؤسسات الرسمية. فإذا كان القانون يجرم الإجهاض، “ما البديل الذي يقدمه؟”، تساءلت السيدة جمانة مرعي، رئيسة جمعية “تجمع النساء الديمقراطي”.

وانطلقت السيدة مرعي من مبدأ كون الإجهاض “حق للمرأة “، وعلى القانون أن يمكنها من “ممارسة قناعاتها في ظروف آمنة، دون تهديد حقها بالحياة”. ذكرت في هذا الإطار تقريراً للأمم المتحدة يفيد عن وفاة إمرأة في العالم كل خمس دقائق جراء عملية إجهاض عبثية. وإلى جانب “حق السلامة الجسدية للنساء”، شددت السيدة مرعي على “حق المرأة بتقرير مصيرها”، ورأت أن موضوع الحمل في قلب هذا المصير.

ولفتت إلى أن الإستمرار بالحمل غير المرغوب به غالباً ما يؤدي إلى عيش الولد في الفقر، أو التخلي عنه في الشوارع أو دور الأيتام. وقال شاب من الحضور أن المرأة التي تلد ضد إرادتها قد تسئ معاملة طفلها في نشأته، مع ما يرتبه ذلك من آثار نفسية مستديمة لدى الإنسان. لذلك رأت السيدة مرعي أن تشريع الإجهاض “لن يكون لتشجيعه بل لحماية وحدة العائلة وحقوق الأفراد، بما فيها حقوق الطفل”. وأشارت إلى وجود دراسة تظهر أن عمليات الإجهاض قلّت في البلاد التي شرعته، نسبةً لما كانت عليه قبل التشريع.

ومن ضم صوته مطالباً بقانون يشرع الإجهاض، مع أكثرية الحاضرين في النقاش، اشترط أن يترافق القانون مع توعية وتربية جنسية كفيلة بزرع معرفة علمية عند الرجل والمرأة عن التفاعل الجنسي ونتائجه. وكشف الدكتور حشاش هنا عن وجود نساء متزوجات “يجهلن تكوينهن الجسدي”، و عن حالات حمل فتيات خارج إتصال جنسي مباشر بفعل “ضالة ثقافتهن الطبية (الجنسية)”. من جهتها، رأت الناشطة في جمعية “مريم معونة الأمهات” أن التوعية الجنسية بذاتها هي التي تشجع على “العاهات التي تتفشى في مجتمعنا حالياً”.

أمام ذلك يبقى للقانون الدور الأساس، مهما تفاوتت الآراء حول الإجهاض، ومهما كانت التعليلات، إجتماعية أم دينية بحتة، أو علمية، للقبول به أو استنكاره. وشددت السيدة مرعي على واجب القانون تأمين المساواة بين الأفراد أجمعين، أولها “بين المرأة والمرأة، وقصدت بذلك تحديداً بين المرأة الفقيرة التي لا تملك ثمن شراء حبوب منع الحمل، أو حتى ثمن حليب لمولودها الجديد، والمرأة الغنية التي يمكنها أن تجري عمليات إجهاض سرية وسليمة صحياً في عيادات مجهزة وعصرية فالواقع في لبنان، حسب تعبير السيدة مرعي، أن الاجهاض سار على قدم وساق، حتى أن الحالات المحالة أمام القضاء الجزائي والمتعلقة بالإجهاض هي نادرة جداً وبإعتبار أن القانون يجب أن يكون إمتداداً للواقع، كما عاد وأكد الدكتور حشاش، يبدو بعيداً عن الواقع الحالي للبلدتبين من هذا الحوار أن لكل حالة إجهاض خصوصيتها ولكل وضع يحمل خيار الإجهاض انفراديته، فهل يمكن جزم الموقف نهائياً من هذه العملية؟ يبقى أن الحضور أجمع على كون هذا القرار يعني الرجل بقدر ما يعني المرأة، وأن للقانون دور في صون كرامة الإنسان بشكل عام، وكل ما قد يعترض هذه الكرامة على أرض الواقع والحياة، البعيدة للأسف عن الطوباوية الطاهرة.

One Response to “من جلسة الحوار حول الإجهاض”

  1. racha

    - 19th Nov, 10 05:11pm

    لابد أولا من الأخذ بعين الاعتبار مسألة الفصل بين الأسباب المؤدية الى الاجهاض وبالتالي الأسباب الكامنة خلفها.. أما بالنسبة للنساء
    العازبات ، أقول بأن علينا التركيز على أساس المشكلة وهي “الزنا” أو “العلاقة الغير شرعية ” وهذه المشكلة لا تحل بتشريع الاجهاض لأن هذا سيشجع المشكلة الأساسية و بالتالي سيشرّعها.. هذه النقطة الأولى.. أما النقطة الثانية ، فأنا لا أوافق السيدة مرعي فيما قالته حول الاجهاض بأنه حق للمرأة !! فهو ليس من حقها الا اذا كان السبب صحيا بحتا ، أما في حالات أخرى فعلى المرأة تحمّل مسؤولية أفعالها(والرجل طبعا) لا الجنين ..ـ ثالثا.. ولنضع النقاط على الحروف علينا أي كل أطياف المجتمع المدني معالجة جذور هذه المشكلة وبالتالي وضع خطة عمل حقيقية لمتابعة الأسباب العامة الكامنة وراء الاجهاض و متابعتها مع الهيئات الحكومية والغير حكومية المعنية ، حيث لا يكمن الحل بتشريع الاجهاض لأن ذلك تشريع لمشكلة لا لحل .. وهذا ما نعترف بأنه لا يحصل في ليلة و ضحاها.. لكن لا بد ن خطوة أولى تضع النقاط على الحروف

Content on this website is licensed under this Creative Commons License unless otherwise noted.

نقاط على الحروف غير مسؤولة عن محتوى تلك المواقع