التعذيب في السجون خرق للقوانين اللبنانية والاتفاقات الدولية
March 08, 2011
تشريع عمره 60 عاماً… ولا التزام بعد
سليم اللوزي
في منتصف حزيران 2010، وتحديداً قبل أيام من اليوم العالمي للاجئين الموافق في 20 حزيران من كل عام، اقتحمت قوة مسلّحة من الأمن العام اللبناني حفلاً خيرياً أقامه شباب سودانيون في منطقة الأوزاعي، يعود ريعه لطفل مصاب بالسرطان، وما لبثوا أن انهالوا بالضرب على الحاضرين، بالأيدي وبأعقاب البنادق، قبل أن يقتادوهم إلى الحجز دون الإدلاء بسبب أو تهمة واضحة. هذه الحادثة التي ضجّ بها البلد ومعه وسائل الإعلام، العام الماضي، تعكس الطريقة العنيفة التي قد يتعامل بها رجال الأمن مع الموقوفين لا سيما الرعايا الأجانب.
في هذا الإطار، نظمت جمعية “ألف” لحقوق الإنسان، ورشة عمل على مدى يومين تناولت فيهما السبل لإيجاد الأدوات اللازمة لرصد ومنع التعذيب في السجون ومراكز الاعتقال، بل للإحاطة بالوسائل العنفية في قاموس سلوكيات أجهزة الأمن في الدولة اللبنانية، وذلك كجزء من المشروع العالمي الذي تدعمه السفارة الهولندية بهدف رفع مستوى الوعي في ما يخص التعذيب في السجون. حضر الورشة أكثر من 20 ناشطاً وحقوقياً ومدوناً وطالباً، وتم التأكيد على أن أفضل الطرق لمعالجة موضوع التعذيب هو منعه تماماً، بدل اتخاذ موقف بعد حدوثه.
بدأت الورشة بتعريف مكثّف، من قبل جمعية “ألف”، لمشروع “منع التعذيب ورصده في لبنان” بالإضافة إلى المعوقات التي يواجهها الناشطون في ما يخص تطبيق القانون اللبناني، وكيفية معاملة رجال الأمن للسجناء والموقوفين. ثم تفاعلت أسئلة المشاركين لتتضح الصورة أكثر. فالمادة 401 من القانون الجزائي هي بيت القصيد، والتي يجب تعديلها وتطبيقها لحماية السجناء/السجينات من كافة أشكال التعذيب وسوء المعاملة. وتنص المادة هذه على التالي: “من سام شخصاً ضرباً من الشدة لا يجيزها القانون، رغبة منه في الحصول على إقرار عن جريمة أو على معلومات بشأنها، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وإذا أفضت أعمال العنف عليه إلى مرض أو جراح كان أدنى العقاب الحبس سنة”.
إذاً تُجرِّم المادة 401 استخدام العنف لانتزاع الاعترافات، لكن القضاء اللبناني نادراً ما يحقق أو يقاضي المسؤولين عن ارتكاب التعذيب المزعوم. في العام 2007، اتخذ لبنان بعض الخطوات نحو مكافحة التعذيب، وفي شباط مُنحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر حق زيارة كافة مراكز الاحتجاز اللبنانية، ومنها التي تديرها وزارة الدفاع، ثم شكل الأمن الداخلي في شباط 2008 قسماً مكلّفاً بمراقبة انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها عناصره، وفي 22 كانون الأول 2008، صدّق لبنان على البروتوكول الإختياري الخاص باتفاقية مناهضة التعذيب، وأحد أهم أحكامه يقضي بأن ينشئ لبنان “آلية وقاية وطنية” للمساهمة في منع التعذيب، عبر زيارة ومراقبة أماكن الاحتجاز. ويبقى الخوف من أن يصبح مصير البروتوكول مثل مصير اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وغيرها من ضروب المعاملة والعقوبات اللاإنسانية أو المهينة. وتجدر الإشارة إلى أن لبنان صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في العام 2000، لكنه لم يلتزم بأحكامها بعد.
واقع التعذيب في لبنان
إن واقع التعذيب والإحتجاز التعسفي في لبنان مرير جداً، بحسب ما يؤكده التقرير الصادر عن المركز اللبناني لحقوق الإنسان. فجميع الإتفاقيات والمعاهدات الدولية التي وقعها لبنان لا تردع قوى الأمن من إستخدام العنف، إذ يتعرّض 60 في المئة من المساجين للتعذيب غير العادي وللعقوبات الشديدة خلال مدة حجزهم، ناهيك عن التمييز العرقي والعنصري والمعاملة اللاإنسانية للأجانب بإعتبارهم مختلفين. يقول المحامي نزار صاغية، الذي درّب المشاركين في اليوم الثاني من الورشة: “إن المادة 22 من اتفاقية مناهضة التعذيب تعطي الحق لأي شخص تعرض لتعذيب خلال فترة إحتجازه بالإدعاء، على أن تلتزم الدولة إجراء التحقيق اللازم بموضوعية وبشفافية”… إلاا أن تلك الحقوق والمواد القانونية لا تزال حتى يومنا هذا حبراً على ورق.
أكثر من 60 عاماً مضت على مرسوم تنظيم أحوال السجون وأماكن التوقيف ومعاهد إصلاح الأحداث، والذي صدر في العام 1949، إلا أن تطبيقه لم يتم بشكل كامل، فالسجون تشهد اكتظاظاً بالموقوفين والمساجين، على ما تدل إليه الإحصاءات المقدمة من وزارة الداخلية إلى لجنة حقوق الإنسان النيابية. ويشرح صاغية أن الإعتقال التعسفي هو اعتقال أي شخص من دون سند قانوني، وهذه مخالفة للمادة الثامنة من الدستور التي تنص على أن “الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون، ولا يمكن أن يقبض على أحد أو يحبس أو يوقف إلا وفقاً لأحكام القانون، ولا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون”. يضيف صاغية: “يحق لقوى الأمن إحتجاز أي شخص لمدة أقصاها 24 ساعة (على ذمة التحقيق) مع إمكانية تجديد هذه المدة مرّة واحدة، بعد مراجعة النيابة العامة والقضاء المختص.”
التمييز حتى بين الأجانب!
يعاني العمّال الأجانب في لبنان، أكثر ما يعانون، من الإعتقال التعسفي، ناهيك عن التمييز الفئوي في المعاملة. فهم مقسومون إلى فئتين: الفئة الأولى هم أصحاب النفوذ والذين لا تتعدى مدة إعتقالهم بضع ساعات بعد تدخل سفاراتهم لإخراجهم (كالسعوديين مثلاً).
أما الفئة الثانية، والذين لا يعرف مصيرهم في أغلب الأحيان (كالعراقيين والباكستانيين وغيرهم..)، ففي حال تدخلت السفارة لمعرفة مصيرهم تكون الإجابة “نحن نطبق القانون اللبناني من دون تمييز”، وهم في غالبية الأحيان يواجهون أوضاعاً صعبة، وكثيراً ما يمكثون رهن الاحتجاز لما يتجاوز مدد محكومياتهم.يقوم العديد من الناشطين، إلى جانب المنظمات غير الحكومية، برصد إنتهاكات حقوق الإنسان على الأراضي اللبنانية كافة، عاملين على رفع مستوى الوعي في ما يخص التعذيب في السجون وحقوق المساجين التي شرعتها الإتفاقات الدولية ولبنان مصادق عليها، كالحق في الحياة وسلامة الفرد، الحق في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة السيئة، الحق في الصحة، الحق في الكرامة الإنسانية، الحق في التنفيذ العادل للقوانين، الحق في عدم التعرض للتمييز والتفرقة من أي نوع كانت، الحق في التحرر من الإستعباد، الحق في حرية الرأي والفكر، الحق في احترام الحياة العائلية، الحق في التنمية الذاتية.. الخ.
ويطالب الناشطون الحقوقيون بتعديل المادة 401 من القانون الجزائي، بحيث تجرّم كافة أشكال التعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك التعذيب النفسي، وزيادة العقوبة على جرائم التعذيب لتتخطى الحد الأقصى الحالي البالغ ثلاثة أعوام، بحيث يتناسب مع جسامة الجريمة. ويناشدون الحكومة الإلتزام بالمادة 22 من اتفاقية مناهضة التعذيب، والتي من شأنها أن تسمح للأفراد في لبنان بتقديم الشكاوى المتعلقة بالتعذيب بشكل مباشر إلى لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.
One Response to “التعذيب في السجون خرق للقوانين اللبنانية والاتفاقات الدولية”
Leave a Reply

Trackbacks
التعذيب في السجون خرق للقوانين اللبنانية والاتفاقات الدولية « جدار .. برسم الإيجار - 9th Mar, 11 08:03am