قررت أن أستقر في القرية، لكن…
May 16, 2011
يدفع غلاء المساكن في بيروت العديد من الشبان العاملين في العاصمة إلى العودة للسكن في قراهم. لكن المستوى المتدني للخدمات، بالمقارنة مع بيروت، يبقى عائقاً أمام كثيرين فلا يعودون إلى قراهم.
جاد مرعي
أنا شاب لبناني، ترعرت في بلدة رشميا في قضاء عاليه. وبعد إتمام الدراسة، تمكنت بعد جهد من إيجاد عمل، إذ كنت قد اتخذت قراراً بعدم الهجرة. وطبعاً أمام ندرة فرص العمل في منطقتي عاليه، كان لا بد لي من النزوح إلى العاصمة للعمل. جاهدت وتعبت وتقدّمت بي الأيام حتى بلغت مفترق طرق ثانٍ، أي إيجاد منزل المستقبل. وما أن بدأت عملية البحث حتى انتهيت إلى خيارات بديهية: إما إيجاد مبلغ طائل يرضي المصارف ويسمح باقتناء شقة أكثر ما يقال عنها أنها متواضعة، وفي منطقة مرقّعة من ضواحي العاصمة، أو المراهنة على مستقبل غير واضح والرضوخ تحت دين أزلي قد يفيه الحفيد.
وبعد وقت ومحادثات ومشاورات وتأمّل، برز حلّ آخر قد يكون أكثر من مجرّد خيار، بل نتيجة منطقية: منزل القرية. فلماذا لا أسكن في مسقط رأسي رشميا؟ لماذا لا أكون في منزل خلاب شاسع، بحدائقه المحيطة وعلى كتف وادٍ يحلم المرء أن يسكنه؟ لم لا أكون في قريتي شاباً ناشطاً مساهماً في نموها وأنا دوماً أردت ذلك؟ فهل تستطيع قرى وبلدات عاليه، القريبة نسبياً من العاصمة أن تمثّل حلاً لأبنائها الباحثين عن مسكن؟ وما الذي يمنع الشباب من اتخاذ القرار باللجوء الى قراهم وبلداتهم، بدل القبول بشقة ضيقة في ضاحية ملوّثة وبثمن خيالي.. وأقساط؟!
تقول نائب رئيس بلدية رشميا، سلوى خطار، إن نسبة السكان الدائمين في القرية لا تتجاوز 15 في المئة من مجموع أهلها، وهي نسبة متراجعة تدريجياً منذ العام 1994، ولا تشكل نسبة الشباب من القاطنين سوى 20 في المئة. أما المتأهلون الشباب فهم تحديداً ثلاث عائلات. تضيف خطار إن “غياب عنصر الشباب يمثّل المشكلة الرئيسية التي تواجه قرى الجبل” وترى أن هذه القرى أصبحت “ملاذاً للراحة في أوقات الفراغ التي أصبحت قليلة مع الأيام المليئة بالضغط والعمل”.
تحدثت إلى شبان ممن اتخذوا القرار المصيري الذي أفكر فيه، وعزموا على المكوث في رشميا، وهم نادرون جداً بالمناسبة، وإلى آخرين من جيلي من سكان بيروت. أردت معرفة انطباعاتهم ورؤيتهم لهذا الخيار فقال لي فادي جبّور (28 عاماً، وهو موظّف إداري في مصرف، إنه “لا يمكن أن يستقر المرء في منزل القرية عندما يضطر إلى العمل في بيروت. فهذا قد يكون في أحسن الأحوال خياراً لموسم الصيف في ما لو تحسّنت الطرقات والمواصلات”. ويرى شربل معلوف (35 عاماً)، وهو متأهل وأب لولدين، أنه ورغم عدم معارضة زوجته لخيار المكوث في القرية، فقد توجب عليه شراء بيت قرب العاصمة من أجل مدارس الأولاد، وهو يعوّل كثيراً على “رأس المال العلمي” لأولاده الذين يريد أن يؤمن لهم أفضل مستويات الثقافة، وهذا غير موجود في القرية. فبالنسبة إلى غالبية الشباب المتردد، تكمن الأولوية في إيجاد مسكن قريب من مكان العمل. ومع قلّة فرص العمل والموارد الإقتصادية، يصبح من المستحيل الإستغناء عن العاصمة حيث يتركز معظم النشاط الاقتصادي. كما يشكو أهل القرى من غياب البنى التحتية من ماء وكهرباء وهاتف.
أما المدارس والمستشفيات فتقدم خدمات دون المستوى وهذا ما يضطرهم للعيش في المدينة بجسب ما يحتّمه مستقبل العائلة والأولاد. غير أن الشباب القليلين الذين قرروا المكوث في القرى يعتبرون أن المشكلة لا تكمن في المسافة بين البيت والعمل، على اعتبار أن الوقت المستهلك للوصول إلى مكان العمل في بيروت لا يختلف كثيراً عن الوقت المطلوب للوصول إلى هذا المكان نفسه من المنزل في القرية. ويرون أن المؤسسات الحالية قادرة على تأمين الحد الأدنى من الخدمة على أمل التغيير نحو الأفضل، رغم أنهم لا ينفون الصعوبات. فوليد الهاشم (27 عاماً)، وهو مدير في القطاع السياحي، انتقل حديثاً إلى القرية ويعبر عن رضاه لهذا التغيير، ويشجّع الأصدقاء على اتخذا هذه الخطوة. غير أنه يؤكد ضرورة تطوير قطاع النقل العام لما من شأنه “توفير مرونة أكبر إذ يسهل عملية التنقل لمن لا يملكون السيارات”.
أمّا أحد القاطنين الدائمين في القرية كموظف في الدفاع المدني، جميل الخطّار (27 عاماً)، فيقول إنه لا يتواجد في الشتاء سوى المقيمين المسنين، بينما يأتي الشباب في الصيف بشكل متقطع ولزيارة الأهل. وهو يأمل أن يتمكن الشباب من الاستقرار في بلدتهم، لكن ذلك يتطلب توفير البنى التحية اللازمة لانتقالهم ذاك. قد تعاني القرية من نواقص في الميادين الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن المشكلة الأكبر تكمن في غياب العنصر البشري قبل كلّ شيء، وتحديداً الشباب. وقبل أن يتحول خيار الإقامة في القرية جبريّاً، نظرأ لغلاء المساكن، المطلوب أن تعمد المؤسسات الرسمية المحلّية إلى تطوير النشاطات المعنية بهذه الفئة، والدفع نحو مشاركة أوسع من قبلهم في عملية اتخاذ القرار. وقد تعهّد الكثير من سكّان بيروت الشباب بالانتقال إلى القرية لو وجد فيها عدد أكبر منهم.
Leave a Reply



