دير الأحمر تعاني «التصحر» السكاني
June 20, 2011
فيرونيكا خشان
مع اقتراب شهر أيلول من كل عام، تدقّ الأجراس منذرةً معظم عائلات دير الأحمر بالتأهب للعودة الى الساحل طلباً للعلم والعمل، فيصبح وجه “الدير” شاحب اللون، على خلاف الأغنية التراثية الت تقول بـ”دير الأحمر وج منوّر دار ودار”. تنفق المنطقة عصبها، أي أبناءها المفعمين بالحياة.
هكذا يحلّ فصل الشتاء ضيفاً ثقيلاً على دير الأحمر وجوارها، محاولاً اقتلاعهم من جذورهم وتحويلهم من أفراد متميزين في بيئتهم الى مجرد أرقام في مدن الساحل المكتظة. تظهر دراسة “التقييم الاجتماعي والاقتصادي” التي أعدتها جمعية “كاريتاس” بالتعاون مع المديرية العامة للتعاون الإيطالي من أجل التنمية، أنّ دينامية النزوح من الريف تتشابك مع ضعف البنى التحتية، ونقص فرص العمل المُقنعة، ومع التأثير الاجتماعي – الاقتصادي على مدى اكثر من 50 سنة من الحرمان والاهمال. لا تقتصر هذه الحال على منطقة دير الأحمر، بل تمتد إلى معظم الريف اللبناني. يبلغ العدد السكّاني في بلدة دير الاحمر حوالى 20 ألف نسمة مسجلةً في دائرة النفوس، ويتراوح عدد المقيمين صيفاً ما بين 40 و50 في المئة، ويبلغ ذروته في فترة الاحتفالات بعيد انتقال العذراء شفيعة البلدة. أما في فصل الشتاء فتنخفض نسبة المقيمين الى حوالى 10 في المئة، أي بمعدل ألفي نسمة فقط، بحسب احصاءات البلدية الاخيرة. ويتضمن هذا العدد العجزة وكبار السن، الذين يرفضون العيش في بيروت في خريف العمر، إضافة إلى المزارعين الذين تنزح عائلاتهم الى الساحل لتحصيل العلم أو العمل، وهناك أيضاً من لا قدرة لديهم على النزوح بسبب عجزهم المادي عن اقتناء بيت أو استئجاره على الساحل.
دور البلدية
تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة: تفريغ القرى من أبنائها، والسبب الرئيسي هو التنمية غير المتوازنة إلى جانب المركزية الادارية، بحسب المراقبين. وعن دور المجلس البلدي في إيجاد الحلول للحد من النزوح، يقول رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية والصحية في بلدية دير الأحمر، المهندس جان خشّان، أن البلدية تحاول ايجاد بعض الحلول والخطط للتنمية والحدّ من النزوح وفق الإمكانات المتاحة. يضيف أنّ الخطة الاساسية تقوم على تنشئة الفرد، وذلك عبر إنفاق قسم كبير من أموال موازنة البلدية في خدمة الشؤون الاجتماعية والصحية. ويكشف أنّ البلدية وهبت قطعة أرض للرهبنة المارونية لإنشاء دير وتحويله إلى معهد جامعي مستقبلاً. كما أشار إلى السعي الى رفع مستوى التعليم بالتعاون مع المدارس المحلية، بالاضافة الى تأمين اساتذة للانشطة، (مسرح، لغة انكليزية، رياضة..) لرفع المستوى الثقافي للطلاب. كما قال إنّ البلدية تسعى إلى تأمين سوق وأرضية مناسبة تحظى بثقة المستثمرين واصحاب رؤوس الاموال، بهدف استقطاب الإستثمار الخارجي.
وتعمل البلدية أيضاً على تعميق الصلات بينها وبين النازحين. وقد أفاد خشّان أنّ العمل جار على إنشاء شبكة تواصل لإحصاء عدد النازحين وأماكن سكنهم بالإضافة الى اختصاصاتهم، لتشكيل “بنك معلومات” يساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية في دير الاحمر، مضيفاً: “البلدية تعمل على مشروع اطلاق موقع الكتروني في شهر آذار، ليتمكن النازحون من الاطلاع على اخبار دير الاحمر، وللتواصل مع البلدية في كافة الشؤون المحلية”.
آراء الشباب
يختلف اليوم موقف شباب دير الأحمر من مسألة البقاء في المنطقة أو النزوح عنها. لقد قرر إيلي سعادة (27 عاماً) العودة إلى دير الأحمر بعد نيله شهادة جامعية في الأدب الانكليزي من الجامعة اللبنانية – الفرع الثاني. وبالرغم من الأجر المتدني الذي يتقاضاه من قبل لجنة الأهل في التكميلية الرسمية ، بل وقد يتأخر الراتب أحياناً لأشهر عديدة، يصرّ إيلي على البقاء في قريته: “لا بد أن يبقى أحد في القرية لحمايتها والسهر على تطويرها، ومن ذاق حلاوة العيش في دير الاحمر لا يمكنه العيش خارجها”. أما منار عماد (20 عاماً) فقد اضطرت الى النزوح الى الساحل طلباً للعلم، وأشارت الى أن “الانتقال للعيش وحدها في مسكن الطلبة كان صعباً، وبالرغم من انّي ما زلت في البلد نفسه فقد شعرت بالغربة”. لكن منار تفضل الآن في المدينة لأنه “لا حياة” في القرية، ويصعب عليها تحقيق طموحاتها فيها. أما طوني خشّان (28 عاماً) وهو مهندس، فيضطر إلى البقاء في الساحل بسبب عمله وعدم توفر فرص عمل مناسبة لاختصاصه في دير الأحمر. تتعدد أسباب النزوح من منطقة دير الأحمر وأبرزها العامل التربوي، بحسب المراقبين. تتوفر في البلدة بعض المدارس، من الروضة حتى المرحلة الثانوية، لكنها تفتقد إلى التعليم الجامعي، فيضطر الطالب الى تركها لاكمال تعليمه وبعدها يبدأ المتخرّج بالبحث عن فرص عمل لا تتوفر الا في الساحل و خلف البحار.
من جهة اخرى، يشكّل القطاع الزراعي المورد الاساسي للعيش في منطقة البقاع وبعلبك – دير الأحمر خصوصاً، لكنه يفتقد إلى الدعم باستثناء عدد قليل من المشاريع. أما قطاعا الصناعة والتجارة فشبه معدومين. وتقتصر المشاريع الصناعية على المبادرة الفردية لأصحاب رؤوس الأموال الصغيرة. وتغيب عن المنطقة الاستثمارات بسبب فقدان الثقة بأمنها بالاضافة الى عدم توفّر سوق ملائمة لتصريف الانتاج ناهيك عن غياب الخبرات. ومن الأسباب التي تؤدي الى النزوح فقدان خدمة الطبابة والاستشفاء، فكلّ المراكز الصحية المتوافرة في المنطقة هي عبارة عن مستوصفات. وتفتقد المنطقة أيضاً الى مراكز الترفيه والتسلية من نواد ومكتبات ومطاعم بسبب النزوح وتفريغ المدن من أبنائها. واقع مرّ توصّل اليه الريف اللبناني إذ أضحى مصاباً بتصحّر بشري، فيما يكتظ الساحل بالسكان. لكن هل يؤدي الارتفاع الجنوني في أسعار العقارات في بيروت وجبل لبنان الى نزوح عكسي؟ وهل سيعود اهالي القرى الى منازلهم هرباً من صخب المدينة وتكاليفها؟
Leave a Reply


