واقع الإعاقة في بعلبك، تجربة تلقي الضوء

June 20, 2011

زينب عثمان

أحد متطوعو إتحاد المعوقين يقترع - إتحاد المقعدين اللبنانيين

لربما يعتبره الناس موضوعاً هامشياً، عادياً، لا يُحرك بهم أي فكرة أو إحساس غير شفقةٍ تؤثر في القلوب للحظاتٍ وتمضي، أو نظرة استخفاف واستهتار. لربما ليس في القواميس كلماتٌ تقال في هذا المضمار سوى عبارات: “يا حرام… الله يعين أهله… معتر هيدا… شو بدنا فيهن…”. عبارات توجع وتقتل الآمال، تفضي إلى العزلة سبيلاً وحيداً لتخطي الآخرين. هم ذوو الإحتياجات الخاصة في بعلبك كما في أنحاء الوطن يطالبون المجتمع بمعاملتهم بمساواة. سعيد عثمان، معوق يعاني شللاً نصفياً تشنجياً منذ حوالى عشرين عاماً، إثر حادث سقوطه عن الشرفة. يتحدث عن معاناة ذوي الإحتياجات الخاصة في بعلبك من خلال تجربته وعمله في إتحاد المقعدين اللبنانيين – فرع بعلبك.

حملة عمّر للكل - إتحاد المقعدين اللبنانيين

ما هو تأثير الإعاقة عليك، إن لجهة الحياة العامة خارج المنزل، أو حتى بداخله، وعلى الصعيد النفسي؟

كان لحالتي الصحية تأثير كبير على مجمل حياتي، وبالطبع حالتي النفسية تأثرت. أعطتني “حالتي” فرصة الجلوس مع نفسي والتحدث إليها ومحاولة اكتشافها، علمتني أن ذات كلٍّ منا محيطٌ عميق، مهما طال عمرنا لن يكون بوسعنا اكتشافه بكليته. أدركت منذ طفولتي البعيدة، أننا لا ولن نمتلك كل شيء في الدنيا، وأدركت ما قد فقدت، والأهم أني أدركت ما أعطتني الدنيا مقابل ما أخذته.

كيف ترى تعاطي المجتمع مع ذوي الاحتياجات الخاصة؟

لنتكلم بشكلٍ منطقي، أعلم أن الناس خارج هذا الباب، يفتقدون الكثير من الثقافة الإجتماعية في التعامل مع المعوق كأي إنسانٍ آخر، في النظر إليه من دون أن تدور في رؤوسهم أفكار التساؤل والشفقة. وقد عانيت ذلك الوضع لبرهة، لكني سرعان ما فكرت، أني، وإن دار في تلك الرؤوس ما دار، إنسانٌ لي حياتي وشخصيتي وآرائي وأفكاري ومهاراتي وقدراتي وأحلامي، وأن استسلامي للضغط النفسي الذي يشكله المجتمع وتصوراته هو الفشل بعينه.

ما هو الدور الرئيسي برأيك للجمعيات التي تعنى بذوي الإحتياجات الخاصة؟

إن الهدف الأساس الذي يتوجب على جمعيات الإعاقة العمل من أجله هو النهوض بثقافة المجتمع، ثقافة تقبل التنوع واحترامه، ثقافة تهيء لمجتمع دامج وبيئة دامجة، تحترم المعايير الأخلاقية والإجتماعية، والهندسية طبعاً، لاستيعاب كل إنسان ينتمي لهذا المجتمع.

ماذا عن العمل المطلبي في قضية الإعاقة؟

العمل المطلبي في مجتمعنا يفوق أهمية العمل الرعائي الخدماتي. لقد تطوعت في أشهر وأبرز جمعية مطلبية تعنى بشؤون الإعاقة، جمعية إتحاد المقعدين اللبنانيين، التي تعتبر الرحم الذي أنجب القانون 220، القانون الخاص بحقوق الأشخاص المعوقين الصادر العام 2000 والذي ما زال غائباً عن آفاق التطبيق حتى يومنا هذا. فالمعوق وإن كان بحاجةٍ للعكاز أحياناً، أو للكرسي المدولب، فهو بحاجةٍ قبل كل شيء إلى الكرامة وهذه الكرامة لا تضمنها سوى قوانين مرعية الإجراء، يكفل تطبيقها قوة الإلزام.

ماذا عن واقع تطبيق القانون 220؟آخ كم ضقنا ذرعاً بممارسات المماطلة والإهمال وطمر الرأس في الرمال كنعامة غبية! نحن معوقون ولسنا “مجاديب” كي نغفل عن ممارساتهم المستفزة.

لكن ألا يوجد أي تقديمات من الوزارة حتى في إطار تطبيق القوانين؟

القسم التاسع من القانون 220 يتضمن أحكاماً ضريبية متفرقة خاصة بالمعوق، تتحدث في موادها عن إعفاءات جمركية في استيراد تجهيزات ووسائل مساعدة وآلات وأدوات خاصة بالمعوقين، إضافة إلى إعفاءات جمركية في استيراد وسائل النقل الفردية والجماعية الخاصة بالمعوقين، مع إعفاء من رسوم تسجيلها، على أن تُستوفى هذه الرسوم لاحقاً في حال انتقال الملكية لشخصٍ آخر غير معوق. ويُعفى من الرسوم على القيمة التأجيرية، ومن رسوم الحراسة والأرصفة والمجاري ومن ضريبة الأملاك المبنية مسكن واحد هو بمثابة محل إقامة لشخص معوق حامل لبطاقة المعوق الشخصية، أياً كان صاحب الحق بالإيجار أو الملكية من أقاربه. هذا ما يُقدم لنا أو بالأحرى المتاح من الحقوق الضائعة لحامل بطاقة المعوق ولا تؤخد بعين الإعتبار باقي الإحتياجات أو بالأحرى باقي الحقوق.

وما الذي تقومون به كأشخاص معوقين للمطالبة بهذه الحقوق؟

نعود هنا إلى جمعيات الإعاقة ومشاريعها هنا، ونعود لنؤكد على أهمية المشاريع المطلبية وليس الرعائية، إضافةً إلى حملات التوعية واستقطاب المعوقين. أراهن أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإطلاع ومعرفة المعوقين بحقوقهم وبالقانون 220. وقد قام إتحاد المقعدين ويقوم إلى الآن بمجهوداتٍ جبارة في خلق وتنفيذ مشاريع مطلبية تحقق المسار الصحيح في أطر المدافعة والمناصرة والرصد وتنفيذ دراساتٍ وإحصاءات وتقديم الإستشارات للوزارات المعنية بتطبيق القانون 220. لتطوير واقعنا، لا بد للتنمية الدامجة أن تتحقق، ولا بد لنا من نيل مطالبنا وأبسط حقوقنا الشرعية، كالحق في الحصول على الخدمات الصحية كافة وإعادة التأهيل وخدمات الدعم، الحق في بيئة مؤَهلة ومجهزة هندسياً، الحق بالتنقل والمواقف ورخص السَوق، الحق بالسكن، الحق في التعليم والرياضة، الحق في العمل والتوظيف والتقديمات الإجتماعية بلا أي واسطة من أحد، الحق بممارسة الحياة بشكل طبيعي عفوي، من دون خوف أو ترددٍ أو حذر. باختصار.. الحق بالحياة كبشر.

مشاركة إتحاد المقعدين في اعتصام - إتحاد المقعدين اللبنانيين

ماذا عن العمل البلدي في منطقة بعلبك، ألا يؤخذ واقع الإعاقة بعين الإعتبار في الخُطط الموضوعة؟ ما التقديمات التي تقوم بها البلدية في هذا المضمار؟

بنى تحتية وطرقات داخلية رائعة، تؤمن للمعوق عامةً والمقعد خاصةً، راحة فائقة في التنقل (بتهكم!) من خلال الحُفر والمطبات والأشغال المُستمرة  إلى غياب المنحدرات التي تجبر المعوق على طلب المساعدة لصعود الأدراج والأرصفة. حتى التحديثات الجديدة، ليست بالمواصفات الدقيقة لبناء المنحدرات، بحيث نحتاج لمنحدر لتخطي هذا المنحدر. مبنى البلدية نفسه غير مُجهز ولا نرى أساساً أي مبنى عام مجهز هندسياً  في بعلبك. لسنا ندري كيف نعبر عن امتناننا للمجلس البلدي الذي يساهم في وضعنا على هامش الحياة، ويسلبنا حرية التنقل باستقلالية والعيش حتى بأدنى مواصفات الكرامة الإنسانية.

Leave a Reply

Content on this website is licensed under this Creative Commons License unless otherwise noted.

نقاط على الحروف غير مسؤولة عن محتوى تلك المواقع