رنا فريفر
اذا كانت السياسة منصبًا وزاريًا والوطنية نصبًا تذكاريًا، فشتانَ ما بين الاثنتين!!.
ولكن..فلنقف قليلاً نحن ولننظر وضعنا: يعتقد رجل الدولة أنّه ملك للأمّة، ويعتقد رجل السياسة أنّ الأمة ملك له…وما أكثر السياسيين عندنا.
فإذا لم توفّر حروب طويلة لا صفوةً ولا فئةً ولا طائفةً ولا جماعةً، واذا ما زال السلاح سلاحًا والفلتان الأمني مستشريًا ومتجذرًا، واذا ما زالت خيوط الدمى الأجنبية هي هي.. أما تساءلنا حول افادتنا من تلك التجارب الأليمة، هذا لو فرضنا أنّ لها اسقاطًا فعليًا في الحياة السياسية اللبنانية؟
وما زال السياسيون يتنادون ويتحلّق الناس حولهم يفدونهم بروحهم ودمهم..أما حان الوقت لنقول كفى؟
جو سياسي راكد منذ أكثر من خمس سنوات، لا يبشر خيرًا، قلق معشعش حول مصير البلد، ملفات من الهدر والفساد تتكدّس دون حلول، ووضع اقتصادي يزداد سوءًا وتفاقمًا يومًا بعد يوم…
والشعب راضخ..لا يحرّك ساكنًا.ها هو لبنان، “كما كان وهو الآن، وهكذا سيكون الى الأبد”.
كفى..
يحظى الشعب بالحكام الذين يستحقهم!!
ولا يحق لنا رفض أولئك الحكام أو التذمّر من قراراتهم وتصرفاتهم اذ ان الدخان الأبيض المشرّع تواجدهم في مناصبهم الحالية، لثمرة خيارنا وارتضائنا بهم.
ما زال الداخل اللبناني يتخبّط كلما هبّت رياح خارجية، تقسمه، تزعزعه، تخلخل أسسه.
وكم يسهل التغلغل في مجتمع وطن ما اتفق بعد ولا أجمع على مفاهيم بديهية كـ”الاستقلال” و”الوحدة” و”الدولة” و”العيش المشترك”.
و”الدولة” مزيج الأرض والشعب والسلطة السياسية الفاعلة، تملك وحدها حق العنف الشرعي، تشذّ وتصبح دولة ضمن دولة، موزاييك معسكرات تتحضر للانقضاض على بعضها اذ يكنّ كل منها الولاء لامتداد خارجي يصله بالسلاح والعتاد. وشعب ما عاد شعبًا اذ فقد مفهوم “المواطنية” التي ما أدركها يومًا، مجموعة مرتزقة خونة. لبناني الهويّة، خارجي الانتماء. وما نفع هويتك اذا كانت خيانة وطنك عظمى !!
وتنتفي في أجواء مماثلة أي رغبة عيش مشترك، لنعود ونقف على مشارف أزمة ستعود بنا حتمًا الى بؤر ما عولجت لنتخلّص منها. نار ستعود لتشتعل اذا ما بقي جمر تحت الرماد.
وكم يسهل فرز اللبنانيين طائفيًا كما كانت الحال منذ سنين قليلة، يسهل على الذاكرة العودة اليها.
وما حال العراق اليوم الا خير دليل على مستقبل قد يلوح في الأفق.
فاستهداف مسيحيي العراق اليوم، لا يجب أن يثير مخاوف مسيحيي لبنان، بل يجب أن يضع اللبنانيين ككل على أهبة الاستعداد لما قد ينتظرهم.
عليهم الكف عن اتهام الآخر ولوم “المؤامرات” التي تحاك لتوريطهم. فما من مؤامرة أو شرك أو زلة قد يقع فيها محصّن.
استهداف مسيحيي العراق، لا يخدم سوى مصالح أجنبية تنوي “تفويع” الرأي العام المسيحي حول العالم لتشكيل جبهة ضاغطة ضد الشيعة أو المد الاسلامي بشكل العام. وذلك بتصوير الاسلام دين ارهاب واضطهاد. وليس بعيدًا أن يكون مفتعلي تلك الجرائب مقرّبين من أطراف خارجية لها أهداف ومصالح داخلية في العراق، لا يخدمها وجود مسيحيين في أرضه أو استتباب الأمن بشكل عام في حدوده.
وهذه الحال ليست ببعيدة عن الداخل اللبناني، وما الانقسام الحاد الحالي، سوى الأرض الطيبة الجاهزة لاحتضان هكذا نزاع.
ضرب مسيحيي 14 آذار واتهام شيعة 8 آذار، وضرب مسيحيي 8 آذار لاتهام سنة 14 آذار.
واذا ما دققنا قليلاً، لرأينا أنّ المسيحيين في كلا الحالتين يشكلون الحلقة الأضعف، اذ لا امتداد جغرافي لهم في المنطقة العربية، ولا دولة أوروبية قريبة “قد” تشكل ملجأً لهم. ومن المعلوم تاريخيًا أنّ الصراع الطائفي الشيعي- السني واقع، من صلب عقيدة كلا الطائفتين، ولا يمكن تفاديه.
لذلك على اللبنانيين عمومًا، العمل جاهدين على شدّ أواصر اللحمة بينهم والكف عن البحث في المصالح الضيّقة لهذا أو ذاك، ونزع وشاح التخاذل والارتهان عنهم ولو لمرة. والا لما تمكنوا من انقاذ البلد، وسيكون حتمًا مصيره شبيهًا، لا بل أسوء، من حال العراق الآن، لأن “اللعبة سبق ولعبناها” ومن المعيب أن نخسرها مجددًا بعد هذه السنين العصيبة.
أمّا مسيحيي لبنان، الذين تخموا اتهامًا وتخوينًا ونعتًا بالجرم أو الجبن، فعلى عاتقهم مسؤولية كبرى.
اذا ما زالوا يؤمنون بكونهم حجر الزاوية في بلد الأرز. فعلى المؤسس مسؤولية كبرى. وهو من عليه لم الشمل والعمل على الالتفاف حول الوطن.
فالطرف المسيحي الذي خسر كثيرًا في الحرب اللبنانية، يجب أن يكون مقدامًا ورائدًا في هذه المرحلة الصعبة.
ان الخطوة ليست بسهلة لكن كسب وطن يستحق المحاولة. والا فلنترك الأمور تسير على ما خطط لها، وليكن مصير بلدنا حرب مدمرة قد ينتج عنها براعم وطن جديد وفق آلية وأسس مختلفة، مجهولة، قد لا يكون وجودنا، كتركيبة شعب لبناني من ضمن سيناريوهاتها.
لا نعت أتباع “القوات اللبنانية” بالمجرمين “الزعران” قد يبني وطنًا، ولا اتهام أنصار “التيار” بالجبن والضعف والوهن.
فكلا الفريقين قاوم وفق ظروف معيّنة، قد دفعته لاتخاذ خطىً قد لا تروق للطرف الآخر… لكننا الآن، في مرحلة اتخاذ القرار الصائب، وهذا القرار لا يمكن أن يتبلور في رحم طرفين يعيشان على أمجاد وعلى أحزان الماضي.
ففي الاتحاد قوة، وفي التفرقة شرذمة وخلل. والبيت الذي يبنى على أساس مصدّع لا أمل له بالاستمرار ومصيره حتمًا زوال واضمحلال. مفترق طرق جديد يقف أمامه لبنان، فهل ستكون الخيارات التي ستتخذ في هذا السياق، مخيبة للآمال على ما عدناه من حكام دأبنا على الاتيان بهم؟
واذا جاءت النتائج مخيبة لآمال فعلاً، ما ستكون الخطط البديلة؟
أبواب هجرة تفتح مجددًا، سفن “تشحن” شعبنا الى البلاد الواسعة، أو سفك دماء جديدة؟؟
فلنفكر مليًا بهذه الاحتمالات ولنضعها نصب أعيننا لاختيار السبيل السليم لنجاة هذه السفينة التي اسمها لبنان.
وكم من مرة بعد وجبت علينا الكتابة خاتمين بهذه العبارة!!