سكان طرابلس يعانون من ملوحة المياه

December 22, 2010

بعض الخبراء يشيرون إلى تسرب مياه البحر إلى حوض آبار الشرب والإستهلاك اليومي.

جودي الأسمر

فوجئت نور (21 سنة) وعائلتها بملوحة في طعم مياه الشفة منذ انتقالهم للسكن في ميناء طرابلس خلال الصيف الماضي. ظنوا بداية أنه مجرد أمر عابر أو أن ثمة عطل طرأ على الشبكة العامة، لكن ملوحة المياه زادت واستمرت، ما اضطرهم إلى شراء المياه المعبئة للشرب، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن المياه المالحة أدت الى إتلاف قساطل وصنابير المياه، الأمر الذي بدأ يهدد سلامة وصحة العائلة.

“صحّتنا أصبحت في خطر، وبتنا نغسل الأواني المعدنية بمياه نشتريها لأن بعضها أصابه الصدأ، وثيابنا أصبحت جرداء، والإستحمام عقاب صحي يزيد من تساقط الشعر، ويصيب الجسم بالحساسية،” تقول نور التي لا تجد تفسيرا لما يحصل في الشبكة العامة للمياه.   في مبنى آخر من الحي نفسه، يمتنع الأهالي عن استخدام المياه بشكل نهائي، كونها تختلط بالمجارير التي تنتهي قساطلها الى البحر، ما يشير الى أخطاء كبيرة في تنظيم البنى التحتية لهذه المناطق التي تضم عقارات تعتبر الأغلى في الفيحاء.

معاناة اللبنانيين عموما، وأبناء طرابلس خصوصا مع المياه، لا تقتصر اليوم على قلة هذا المورد بسبب انخفاض معدل الأمطار شتاءا، وعوامل طبيعية أخرى كالإنحباس الحراري وهي ظواهر عالمية ليس لبنان وحده المسؤول عن مسبّباتها أو قادر على إلغائها. وثمّة أرقام وحقائق يتناقلها الخبراء البيئيون حول ضعف القدرة على تلبية حاجة اللبنانيين من للمياه، مع تراجع كمية هذا المورد البيئي المتجدد والأساسي.

ولكن الملفت أن المشكلة امتدت اليوم لنوعية المياه، لتمنح لبنان “خصوصية” جديدة الى مياهه في بعض المناطق مع بروز المياه المالحة في أحياء طرابلس والميناء وعدد من قرى عكّار. وقد بدأت هذه المياه تظهر في المنازل، فارضة مشاكل جديّة تطال تفاصيل حياة السكان اليومية.

يتحدّث الخبير الجيولوجي، الدكتور فتحي حجازي، عن أهم مسبّبات هذه الظاهرة التي تنبّأ بها منذ 7 سنوات استناداً الى دراسات تناولت التركيبة الجيولوجية القائمة عليها طرابلس وضواحيها. فخط “البرزخ” الذي يفصل بين اليابسة ومياه البحر قد انزلق نحو اليابسة بفعل انخفاض ضغط مياه الشفة التي تُستهلك دون إعادة تغذية الخزانات الجوفية بالشكل المطلوب، فتسربت مياه البحر الى حوض آبار الشرب والاستهلاك اليومي.

ويقول الدكتور حجازي إن المؤشرات العلمية “تنعي” إمكانية إنقاذ المناطق الأكثر تأثراً في طرابلس، كمناطق المعرض والضم والفرز والمنلا والبحصاص والميناء القائمة على تماس مع شاطىء البحر، لأن الآبار الحلوة أصبحت شبه جافة. ويشير أنه من المحتمل تدارك هذا الخطر في المناطق الباقية، إذا ما تمّ فرض اجراءات صارمة تسدّ الآبار الخاصة للبنايات على فترة عشر سنوات على الأقل ليتم إعادة التوازن إلى الطبقة الجوفية للمياه، عبر إعادة التغذية بمياه الأمطار ومياه نهر قاديشا. ويؤكد الدكتور حجازي على ضرورة مدّ شبكات المياه وفق مخطّطات تشرف عليها وزارة الطاقة والمياه، قبل المباشرة بإعطاء رخص البناء. ومن المفيد أيضاً اللجوء إلى أساليب التغذية الإصطناعية عبر بناء السدود وإقامة البرك بهدف التكفير عن هذه “الجريمة البيئية”.

تسجل طرابلس سحباً زائداً للمياه الجوفية يقدّر ب 4 ملايين متر مكعّب عام 2005، والرقم يتنامى في ظل الطفرة العمرانية والسكنية لاسيما في أحياء جديدة كالضم والفرز وزيتون أبي سمراء. يضاف الى قلّة الأمطار، وتقلّص المساحات الخضراء التي تسمح بترسّب مياه الامطار وزيادة الأبنية والأراضي العازلة لمياه الأمطار والتي تعيق بالتالي تغذية حوض المياه الجوفي.

في ضوء القانون رقم 221 المعدّل عام 2000، يوضح رئيس لجنة البيئة في بلدية طرابلس، الدكتور جلال حلواني، أن صلاحية إدارة شبكات المياه وتخطيطها منوطة بوزارة الطاقة والمياه، وتبقى صلاحية البلدية في هذا الشأن مقتصرة على الدراسة العلمية لواقع الحال. وكشف الدكتور حلواني عن زيارة كان قد قام بها مع وفد من البلدية أطلع خلالها وزير الطاقة والمياه جبران باسيل على ظاهرة المياه المالحة وطالبه بإيقاف منح رخص حفر الآبار. لكنّ الوزير نفى إعطاء أية رخصة، محمّلاً المسؤولية الى القوى الامنية التي لا تتخذ الاجراءات المناسبة بحقّ الآبار المخالفة.

ويعزو الدكتور حلواني تكاثر الآبار العشوائية الى بداية الثمانينات حيث أتاح غياب الرقابة الى حفر المزيد منها، وبات وجود بئر خاص في مبنى حديث، الجاذب الأساس لبيع الشقق السكنية. وعلى الرغم من تحرّكات مطلبيّة شارك فيها الدكتور حلواني منذ ثلاث سنوات فإن هذه “الثروة القومية” لا تزال تستهلك دون حسيب أو رقيب، وبالتغاضي عن وضع ضوابط فنية وإدارية الملزمة.

أما المهندس المهني فوّاز بارودي، فيبرز خطراً آخر يهدّد كل هذه الابنية بالانهيار بفعل تسرّب المياه المالحة التي تفتّت قاعدة البنايات وتضعف أساساتها فتجعلها هشة. وقد وضعت نقابة المهندسين معايير لمخططات الأبنية تلزم بإقامة طبقة عازلة لتمنع هذه الاختلاطات. ويتساءل بارودي: “من يراقب تطبيق هذه المعايير حين يكون المال هو سيد الموقف؟ وأيّ مقاول سيخوض تجارة عقارية خاسرة بتطبيقه المواصفات السليمة والمكلفة؟”

ويضيف: “في كلّ يوم، نشهد مشاريع سكنية جديدة، والسوق العقاري يشهد أزمة إرتفاع أسعار، لم يكن لها مثيلاً خاصة في الأماكن التي تعاني من ملوحة المياه، فهل تشكّل هذه الأبنية المستحدثة امتداداً إضافياً لهذه الأزمة؟”

بعض الخبراء يشيرون إلى تسرب مياه البحر إلى حوض آبار الشرب والإستهلاك اليومي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

Content on this website is licensed under this Creative Commons License unless otherwise noted.

نقاط على الحروف غير مسؤولة عن محتوى تلك المواقع